محمد جمال الدين القاسمي

295

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

و أخرج الأمويّ في ( مغازيه ) عن عبد الملك بن عمير قال : لما بلغ أكثم بن صيفيّ مخرج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، أراد أن يأتيه . فأبى قومه أن يدعوه . قال : فليأت من يبلغه عني ويبلغني عنه . فانتدب له رجلان . فأتيا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقالا : نحن رسل أكثم بن صيفيّ وهو يسألك : من أنت ؟ وما أنت ؟ وبم جئت ؟ قال أنا محمد بن عبد اللّه . وأنا عبد اللّه ورسوله . ثم تلا عليهم : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ . . . [ النحل : 90 ] الآية . فأتيا أكثم فقالا له ذلك . قال : أي قوم ! إنه يأمر بمكارم الأخلاق . وينهى عن ملائمها . فكونوا في هذا الأمر رؤوسا ولا تكونوا فيه أذنابا . فركب بعيره متوجها إلى المدنة ، فمات في الطريق . فنزلت فيه : وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ . . . الآية . قال السيوطيّ : مرسل . إسناده ضعيف . وأخرج أبو حاتم في كتاب ( المعمرين ) من طريقين من ابن عباس ؛ أنه سئل عن هذه الآية ؟ فقال : نزلت في أكثم بن صيفيّ . قيل : فأين الليثيّ ؟ قال : هذا قبل الليثيّ بزمان . وهي خاصة عامة . وأخرج ابن أبي حاتم ، وابن مندة والباورديّ في ( الصحابة ) عن هشام بن عروة ، عن أبيه ؛ أن الزبير بن العوام قال : هاجر خالد بن حرام إلى أرض الحبشة . فنهشته حية في الطريق فمات . فنزلت فيه : وَمَنْ يَخْرُجْ . . . الآية . قال الزبير : فكنت أتوقعه وأنظر قدومه وأنا بأرض الحبشة . فما أحزنني شيء حزن وفاته حين بلغتني . لأن قلّ أحد هاجر من قريش إلا ومعه بعض أهله ، أو ذوي رحمه . ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى ولا أرجو غيره . قال الحافظ ابن كثير : وهذا الأثر غريب جدا . فإنّ هذه القصة مكية . ونزول الآية مدنيّ . فلعله أراد أنها تعم حكمه مع غيره ، وإن لم يكن ذلك سبب النزول . واللّه أعلم . الثاني - ثمرة الآية ، أن من خرج للهجرة ، ومات في الطريق فقد وجب أجره على اللّه . قال الحاكم : لكن اختلف العلماء . فقيل : أجر قصده . وقيل : أجر عمله دون أجر الهجرة . وقيل : بل له أجر المهاجرة ، وهو ظاهر في سبب نزول الآية . قال الحاكم : وقد استدل بعض العلماء أن الغازي يستحق السهم وإن مات في الطريق قال : وهو بعيد . لأن المراد بالآية أجر الثواب . قال الزمخشريّ ، حكاية عن المفسرين : إن كل هجرة لغرض دينيّ من طلب علم أو حج أو جهاد ، أو فرارا إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة ، أو زهدا في الدنيا ،